الإعجاز العلمي في قوله تعالى (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون)

كُتب بواسطة: تاريخ النشر: 6 يناير, 2018 المشاهدات: 24 التعليقات: لا يوجد تعليقات

الإعجاز العلمي في قوله تعالى:

﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾

مقدمة:

استراحة وراحة هي لحظات يقضيها الإنسان عندما يخلو بنفسه فيتأمل في ملكوت الله سبحانه، وفي هذه الصفحات ستكون استراحتنا تأملات في آية من سورة العنكبوت، نقطف منها بإذن الله شيئا من نفحات الإيمان، عبر الإعجاز العلمي الذي ادخره لنا منزّل القرآن، لنستقي من تلك الينابيع ثمرات اليقين وعبق المتقين.

فقد كان ولا زال القرآن يثرينا بآياته، وهو الثابت المستمر، ويجدد بنفحاته عزائمنا كلما خفتت جذوة الإيمان، ففي نفس الكلمات والحروف التي نزل بها القرآن نكتشف فيه الكثير مما لم يدركه سلفنا من المفسرين والعلماء، وما ذلك إلا دليلاً على عظمته، وإعجازه، لكي تبقى أمة الإسلام حية، يسوقها بقدرة الله إلى طريق الحق، فتنهار أمامه وتتبخر كل السحب السوداء التي ما فتئ يضعها في طريقه أعداء الدين والملحدين.

إن اللفظة الواحدة من ألفاظ القرآن تحتمل وجوها متعددة من المعاني، فما كان يفهمه المفسرون في زمن ما تراه صالحا لمعاني أخرى جديدة يكشف عنها تطور العلوم في زمان آخر، فمثلاً كلمة الوهن التي وردت في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 41] كان يفهم منها غير ما فهمه اليوم المتخصصين في علم الحشرات، وهو ما سأتناوله بالتفصيل إن شاء الله، وإن كان ما فهموا لا يتصادم مع الفهم الحديث إلا أن ما توصل إليه العلماء اليوم يعتبر تفسيرا جديدا ومكملاً لذلك المعنى، وحاصل ذلك هو كشفا علميا ومعلومة حديثة كانت خافية على من تقدم من سلفنا وعلمائنا، وهذا هو الإعجاز العلمي الذي من خلاله يتأكد لنا ولغيرنا أن القرآن حق نطق به العليم الخبير وأنزله منجما على رجل أمي اختاره سبحانه، ليكون مبلغا عن الله غير كاذب ولا ساحر ولا أفاك.

الوهن في اللغة:

الوهن لغة يعني الضعف، وهذا المعنى هو الصحيح في لغة العرب بدون خلاف، فيمكن أن نطلق على كل شيء فيه ضعف في بنائه أو في قوته أو في منظره أو في متانته، أن فيه وهن، قال زكريا عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ [مريم: 4].

يقول الفراهيدي: الوَهْنُ: الضَّعْفُ في العمل وفي الأشياء، وكذلك في العَظْم ونحوه وقد وَهَنَ العَظْم يَهِنُ وَهْناً وأَوْهَنَه يُوِهِنُه ورجلٌ واهنٌ في الأمر والعمل، ومَوْهونٌ في العَظْم والبَدَن(1).

تفسير الآية:

قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 41].

سياق الآية عبارة عن مثل ضربه الله تعالى مشبها به حال المشركين، واتخاذهم للشركاء من دون الله كمثل العنكبوت في اتخاذها بيتاً عجيباً في شكله ومادة بنائه.

وفى ضرب الأمثال من تقرير المقصود مالا يخفى، لأن المثل أعون شيء على البيان، إذ الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والشاهد بالغائب، وفيه أيضاً تبكيت الخصم، ولقد كثر في القرآن الأمثال، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: 27]وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43] فالأمثال تصور المعاني بصورة الأشخاص لأنها أثبت في الأذهان لاستعانة الذهن فيها بالحواس ومن ثم كان الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والغائب بالشاهد، قال الزمخشري: “التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعاني وإدناء المتوهم من المشاهد فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إلا بأمر استدعته حال الممثل له ألا ترى أن الحق لما كان واضحا جليا تمثل له بالضياء والنور وأن الباطل لما كان بضده تمثل له بالظلمة وكذلك جعل بيت العنكبوت مثلا في الوهن والضعف”(2).

فهو أقبح المناهي على الإطلاق قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: 5] أي لا أحد أضل منه وقال تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾[المؤمنون: 117] وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] فالشرك أعظم الظلم لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه ولا أعظم ظلما من شكاية العبد ربه الذي هو أرحم الراحمين فيما أصابه من ضر أو فاته من خير إلى من لا يرحمه ولا يسمعه ولا يبصره ولا يعلمه ولا يملك لنفسه ولا لداعيه من ضر ولا نفع ولا موت ولا حياة ولا نشور ولا يغني عنه مثقال ذرة وعدوله عمن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ويفزع في قضاء حوائجه إلى من لا قدرة له على شيء البتة، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: 13-14].

وصرفه عبادة خالقه الذي خلقه لعبادته وتوحيده ورباه بنعمه الظاهرة والباطنة وحفظه وكلأه بالليل والنهار وحماه من جميع المخاوف والأخطار لمخلوق مثله خلقه الله بقدرته ولم يكن من قبل شيئا بل هو مسخر مدبر مربوب متصرف فيه الله تعالى بم شاء من أنواع التصرف لا يبدي حراكا ولا ينفك من قبضة الله عز وجل بل هو خلقه وملكه، مخلوق لعبادته فيرفعه من درجة العبودية والتأله إلى جعله مألوها معبودا، هذا والله أظلم الظلم وأقبح الجهل وأكبر الكبائر ولذا لم تدع الرسل إلى شيء قبل التوحيد ولم تنه عن شيء قبل التنديد ولم يتوعد الله على ذنب أكبر مما جاء على الشرك من الوعيد الشديد.

وفي الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قلت: «يا رسول الله أي الذنب أعظم قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك»(3).

وضرب الله سبحانه المثل ليوضح حقارة الشرك لأن الشرك هو اتخاذ ند من دون الله يدعوه كما يدعو الله ويرجوه كما يرجو الله ويخافه كما يخاف الله ويحبه كما يحب الله ونحو ذلك وهذا هو الشرك الأكبر الذي أرسل الله الرسل وأنزل الكتب للنهي عنه وتكفير أهله واستباحة دمائهم وأموالهم(4).

ومما جاء بشأن الشرك وبصيغة التمثيل أي تمثيل الشرك بشيء آخر قوله تعالى: ﴿حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31]، وقال الله عز وجل: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: 28]، وفي موضوعنا هذا قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[العنكبوت: 41]، فالمشبه الشرك والمشبه به بيت العنكبوت ووجه الشبه هو وهن الشرك وهوانه كوهن بيت العنكبوت وهوانه، ولذلك نجد أن المفسرين قد أخذوا هذا الوجه من التشبيه دون غيره لأنه قد خفي عنهم أوجه أخرى علمها اليوم علماء الطبيعة بعد قرون من نزول الآية الكريمة، فلنتتبع أولاً أقوال المفسرين.

يقول الطبري رحمه الله تعالى: يقول تعالى ذكره: مثل الذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون الله أولياء يرجون نصرها ونفعها عند حاجتهم إليها في ضعف احتيالهم وقبح روايتهم وسوء اختيارهم لأنفسهم كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة احتيالها لنفسها اتخذت بيتا لنفسها كيما يكنها فلم يغن عنها شيئا عند حاجتها إليه فكذلك هؤلاء المشركون لم يغن عنهم -حين نزل بهم أمر الله وحل بهم سخطه- أولياؤهم الذين اتخذوهم من دون الله شيئا ولم يدفعوا عنهم ما أحل الله بهم من سخطه بعبادتهم إياهم(5).

ومثل ذلك يذكر ابن كثير فيقول: “هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله يرجون نصرهم ورزقهم ويتمسكون بهم في الشدائد فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت فإنه لا يجدي عنه شيئا فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها(6).

ومثل ذلك قال البيضاوي، عند تفسيره للآية: ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ حيث يقول: فيما نسجته في الوهن والخور بل ذاك أوهن فإن لهذا حقيقة وانتفاعا ما أو مثلهم بالإضافة إلى رجل بنى بيتا من حجر وجص، ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ لا بيت أوهن وأقل وقاية للحر والبرد منه ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون﴾ يرجعون إلى علم لعلموا أن هذا مثلهم وأن دينهم أوهمن من ذلك ويجوز أن يكون المراد ببيت العنكبوت دينهم سماه به تحقيقا للتمثيل فيكون المعنى: وإن أوهن ما يعتمد به في الدين دينهم(7).

ومن هنا نجد أن الرابط بين الشرك وبيت العنكبوت رابط قوي؛ لأن بيت العنكبوت لا يقتصر على كونه مأوى يسكن فيه، بل هو في نفس الوقت مصيدة تقع في بعض حبائلها اللزجة الحشرات الطائرة مثل الذباب و غيرها.. لتكون فريسة يتغذى عليها، كذلك فإن هؤلاء المشركين الذين اتخذوا أنداداً من دون الله تعالى ودعوا الناس إلى أندادهم إنما يدعونهم إلى مصيدة متقنة يكون في دخولها حتفهم وهلاكهم في الدنيا والآخرة، فالحذر كل الحذر من أصحاب الدعوات الفاسدة الذين اتخذوا من دون الله أنداداً سواء كان هذا الندّ هو المال أو الهوى وذلك من خلال الإشارة إلى خيوطهم الخفية التي يصطادون من خلالها ضحاياهم سواء كانت هذه الخيوط هي المال أو الجنس أو المناصب أو غيرها من الخيوط الخفية والتي ما إن تمسك بالضحية حتى تقضي عليها وتهلكها(8).

بيت العنكبوت من منظور علمي:

كشف العلم مؤخراً أن أنثى العنكبوت هي التي تنسج البيت وليس الذكر وهي حقيقة بيولوجية لم تكن معلومة إلى وقت قريب، كما كشف العلم أن خيط العنكبوت أقوى من مثيله من الصلب ثلاث مرات وأقوى من خيط الحرير وأكثر منه مرونة فيكون نسيج العنكبوت بالنسبة لاحتياجات العنكبوت وافياً بالغرض وزيادة ويكون بالنسبة له قلعة أمينة حصينة.

والواقع أن هناك سراً بيولوجياً كشف العلم عنه لنا مؤخراً، فالحقيقة إن بيت العنكبوت هو أبعد البيوت عن صفة البيت بما يلزم البيت من أمان وسكينة وطمأنينة فالعنكبوت الأنثى تقتل ذكرها بعد أن يلقحها وتأكله، والأبناء يأكلون بعضهم بعضاً بعد الخروج من البيض، ولهذا يعمد الذكر إلى الفرار بجلده بعد أن يلقح أنثاه ولا يحاول أن يضع قدمه في بيتها.

وتغزل أنثى العنكبوت بيتها ليكون فخاً وكميناً ومقتلاً لكل حشرة صغيرة تفكر أن تقترب منه وكل من يدخل البيت من زوار وضيوف يقتل(9).

ولذلك يظن البعض أن وهن بيت العنكبوت يكمن في وهن خيوطه، ولكن الوهن في بيت العنكبوت كما رأينا سابقاً هو وهن في العلاقات الاجتماعية والحيوية في هذا البيت، علاوة على وهن عدم الحماية من العوامل البيئية الخارجية مثل: المطر، والحر، والبرد، والشمس، والأتربة كما قال بعض المفسرين قديماً(10).

لأن بيت العنكبوت من الناحية المعنوية هو أوهن بيت على الإطلاق فهو بيت محروم من معاني المودة والرحمة التي يقوم على أساسها كل بيت سعيد، وذلك لأن الأنثى في بعض أنواع العنكبوت تقضي على ذكرها بمجرد إتمام عملية الإخصاب وذلك بقتله وافتراس جسده لأنها أكبر حجما وأكثر شراسة منه، وفي بعض الحالات تلتهم الأنثى صغارها دون أدنى رحمة، وفي بعض الأنواع تموت الأنثى بعد إتمام إخصاب بيضها الذي عادة ما تحتضنه في كيس من الحرير.

وعندما يفقس البيض تخرج العناكب الصغار فتجد نفسها في مكان شديد الازدحام بالأفراد داخل كيس البيض، فيبدأ الإخوة الأشقاء في الاقتتال من أجل الطعام أو من أجل المكان أو من أجلهما معا فيقتل الأخ أخاه وأخته، وتقتل الأخت أختها وأخاها حتى تنتهي المعركة ببقاء عدد قليل من العنيكبات التي تنسلخ من جلدها، وتمزق جدار كيس البيض لتخرج الواحدة تلو الأخرى، والواحد تلو الآخر بذكريات تعيسه، لينتشر الجميع في البيئة المحيطة وتبدأ كل أنثى في بناء بيتها، ويهلك في الطريق إلى ذلك من يهلك من هذه العنيكبات، ومن ينجو منها نفس المأساة التي تجعل من بيت العنكبوت أكثر البيوت شراسة ووحشية، وانعداما لأواصر القربى(11).

لأن أضعف بيت، بيت غابت منه المودة والرحمةفالأنثى تأكل الذكر عقب التلقيح والسفاد، والأبناء يأكلون أمهم بعد اشتداد عودهم، ويهرب منه الذكر خوفاً على حياته، فهو بيت يقوم على المصالح والمنافع المادية الدنيوية المؤقتة، فإذا انتفت المصالح، وانتهت المنافع، ساءت العلاقة فيه بعد ذلك، فالأنثى تغازل الذكر وتغريه وترحب به وتتزين له عندما تحتاج إلى سفاده فقط، وتحاول القضاء عليه بعد ذلك، فيهرب الذكر حفاظاً على حياته من افتراس الأنثى وفكوكها القاتلة والسامة.

بيت يظل الصغار فيه هادئين، مطيعيين في كنف الكبار، حتى إذا اشتد عودهم وقويت فكوكهم وتوفرت سمومهم عقوا الكبار وعقروهم وأكلوهم، وحيث أن الأب هارب من ظلم الأم، فهم يأكلون أمهم، وهذا مثال للبيت الذي يطرد منه الابن أمه وأباه، وقد يقتلهما لإفساح المكان لزوجته وأولاده.

بيت العنكبوت: فيه الذكر للسفاد (التلقيح) والمعاشرة الجنسية، والأكل، والراحة، فإذا احتاج إلى ذلك دخل البيت، ومارس دور الذكر، حتى إذا قضى وطره، فر هارباً خائفاً مذعوراً، فهو بيت القوامة فيه للأنثى، فهي التي تبنيه وتسمح للذكر بالدخول فيه، وتفضل الحياة فيه بعيداً عن قيد الذكر، وإذا أراد البقاء فيه فهو مهدد ذليل(12).

حيث يقتصر دور الذكر على التلقيح والارتماء عند قدمي الأنثى كي “تأكله” بعد انتهاء عملية التزاوج، وهذا المصير المخيف جعل بعض المفسرين يرون أن المقصود في الآية الكريمة هو وهن البيت من الناحية الاجتماعية والأخلاقية لا المادية والميكانيكية؛ فبالمقارنة حتى مع عالم الحشرات يعد بيت العنكبوت أوهن البيوت من الناحية الأسرية وأكثرها أنانية وشراسة؛ فالأنثى تأكل الذكر بعد التلقيح وقد تأكل أبناءها بعد خروجهم من البيض كما الإخوة بعضهم البعض كلما سنحت لهم الفرصة(13).

الجدير بالذكر أن كلمة العنكبوت وردت في الآية الكريمة بصيغة التأنيث لا التذكير: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾[العنكبوت:41]، فالعلماء لم يكتشفوا إلا مؤخرا أن أنثى العنكبوت هي من يقوم بفرز المادة الحريرية وجدل الخيوط وغزل الشبكة، وكلمة ﴿اتَّخَذَتْ﴾ لا تشير فقط إلى أنثى العنكبوت بل وإلى وجود عملية بناء حقيقية تقوم بها بغرض السكن والتفريخ(14).

البيت والخيط:

كل مخلوق وكل دابة من الدواب وكل حشرة من الحشرات هيأ الله تعالى لها وأوحى لها أن تصنع بيتها من مادة من المواد فالإنسان يبني بيته بمواد عدة، فتارة من جلود الأنعام وتارة من الصوف والشعر﴿وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: 80]، وتارة من الطين وتارة من الخرسانة وتارة من الحديد وربما من الخشب وغيره، لأن الله أكرمه وأعطاه العقل وسخر له كل شيء، والنحلة اتخذت من الجبال بيتا وبنت بيتها بالشمع ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: 68]، وهكذا فجميع ما خلق الله تعالى يسر له أسباب العيش الذي يناسبه من بيت ومأكل، وسخر له المادة المناسبة لعمل بيت له يحميه من عوامل الطبيعة القاسية، فنرى الطير كيف يبني بيته بأعواد الأشجار الصغيرة وبإحكام عجيب، ليكون ذلك البيت (العش) بعد ذلك ملاذاً له ولأبنائه، والنملة الصغيرة كذلك تحفر في الأرض الأمتار الطويلة وتجعله تجاويف بأبعاد مختلفة لتدخر فيه القوت والحبوب، ولتأوي إليه عند المطر واشتداد الرياح وهجوم الخطر ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 18].

إلا أن العنكبوت اتخذت بيتا مغايرا تماما فهو من خيط تنسجه أو تنتجه بنفسها ومن داخلها، فتنسج منه بيتا أشبه بشبكة الصيد ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ إن بيت العنكبوت هو من الناحية المادية البحتة أضعف بيت على الإطلاق، لأنه مكون من مجموعة خيوط حريرية غاية في الدقة تتشابك، مع بعضها البعض تاركة مسافات بينية كبيرة في أغلب الأحيان، ولذلك فهي لا تقي حرارة شمس، ولا زمهرير برد، ولا تحدث ظلاً كافياً، ولا تقي من مطر هاطل، ولا من رياح عاصفة، ولا من أخطار المهاجمين، وذلك على الرغم من الإعجاز في بنائها(15).

وهنا إشارة صريحة إلى أن الوهن والضعف هو في بيت العنكبوت وليس في خيوط العنكبوت، فخيوط بيت العنكبوت حريرية دقيقة جدا، يبلغ سمك الواحدة منها في المتوسط واحداً من المليون من البوصة المربعة، أو جزءاً من أربعة آلاف جزء من سمك الشعرة العادية في رأس الإنسان، وهي على الرغم من دقتها الشديدة فهي أقوى مادة بيولوجية عرفها الإنسان حتى الآن، وتعتبر الخصلات الحريرية التي تكون نسيج العنكبوت أقوى من الفولاذ، ولا يفوقها قوة سوى الكوارتز المصهور، ويتمدد الخيط الرفيع منه إلى خمسة أضعاف طوله قبل أن ينقطع، ولذلك أطلق العلماء عليه اسم “الفولاذ الحيوي” أو “الفولاذ البيولوجي”، وهو أقوى من الفولاذ المعدني العادي بعشرين مرة، وتبلغ قوة احتماله (300.000) رطلا للبوصة المربعة، فإذا قدر جدلا وجود حبل سميك بحجم إصبع الإبهام من خيوط العنكبوت فيُمْكِنه حَمل طائرة “جامبو” بكل سهولة(16).

هذه الحقائق المدهشة تدفعنا للتساؤل عن كيفية التوفيق بين وهن البيت في الآية الكريمة وقوة المادة التي يبنى منها، وكيف يجتمع في منشأة واحدة الحد الأدنى من الوهن والهشاشة والحد الأقصى من القوة والمرونة!؟(17).

وجه الإعجاز:

إن وصف بيت العنكبوت بأنه أوهن البيوت فيه دلالة واضحة على إعجاز القرآن وأنه من عند الله، حيث لم يقل القرآن خيط العنكبوت أو نسيج العنكبوت، لأن الخيط بذاته له صفات خاصة تجعله من الخيوط القوية، وهذا ما بيناه في فقرة بيت العنكبوت من منظور علمي، وإنما قال بيت العنكبوت، ولعل التفريق بين وهن البيت وقوة المادة التي يبني منها يثبته استعمال الآية الكريمة لكلمة (بيت) وليس (خيطاً) أو (شبكة)، ليبقى القرآن يسطر لنا آيات وبينات معجزة، تخرس لها الألسن الحداد، وتذهل لها العقول المنصفة.

كما حدثتنا الآية عن وهن بيت العنكبوت، فيخطر في بال سامعها لأول وهلة المنظر المتهالك المقزز لبيت العنكبوت والذي تشمئز منه النفس، غير إنه لا يخطر في بالنا ولا يمكن أن يخطر ساعة سماع الآية أن الوهن يمتد ليشمل بعدا آخر وفهما جديدا ومعرفة قد خفيت على من سبقنا في العصور الماضية، ذلك الفهم والمعنى هو السلوك الداخلي للعنكبوت ووهن بيتها من الناحية الأخلاقية والاجتماعية، بيت لا يقطن فيه إلا الموتى من أصناف الفرائس التي انقضت عليها العنكبوت الأنثى، فلا أولاد يعيشون في دفئ أحضان الأم ولا أب يدير أمور البيت ولا أم لها قلب الأمومة، ولا بيت يحمي ساكنه من عاتيات الزمان، تنخر فيه الريح وتمزقه أدنى قطرات المطر، لا يستر من داخله ولا يدفع الباغي من خارجه، بل أنشأته الأنثى للبغي والقتل والدمار، فبئس البيت هو بيت العنكبوت ونعم الوصف الإلهي له بأنه ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[العنكبوت:41].

هذه الحقائق لم تكن معروفة لأحد من الخلق في زمن الوحي، حيث لم تكتشف إلا بعد دراسات مكثفة في علم سلوك حيوان العنكبوت استغرقت مئات من العلماء لعشرات من السنين حتى تبلورت في العقود المتأخرة من القرن العشرين، ولذلك ختم ربنا تبارك وتعالى الآية الكريمة بقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وعلى ذلك فإن الوصف القرآني لبيت العنكبوت بأنه أوهن البيوت، لم يكن نتيجة مشاهدة عابرة لبيت العنكبوت وهو يتمزق نتيجة الرياح العاتية، ولم يكن من نسج خيال إنسان عكف على دراسة سلوكيات الحشرات في تلك الأزمان الغابرة، إنه وصف نزل به الروح الأمين على لسان رسول كريم، في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين من قبل ألف وأربعمائة سنة، فهو إذن سبقا علميا لا يمكن لعاقل أن يتصور له مصدرا غير الله، حتى يبقى هذا الكتاب العزيز حجة على الناس كافة إلى يوم الدين، ويبقي ما فيه من الحق شاهداً على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وشاهدا كذلك بالنبوة وبالرسالة للنبي الخاتم وللرسول الذي تلقاه صلى الله عليه وسلم(18).

وليس العجب في أن نكتشف إعجازا علميا في زمن العلم والتكنولوجيا، ولكن العجب ممن لا يعقل هذه الآيات فيصر مستكبرا كأن لم يسمعها ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: 7].

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

إعداد: قسطاس إبراهيم النعيمي.

مراجعة: علي عمر بلعجم 8/ 12/ 2007م

إضافة رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *